محافظة دمشق

يأتي العيد في سوريا هذا العام ليكون مشكلة حقيقية أمام أصحاب الدخل المحدود بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار، بعد أن شكل على مدى مئات من السنين فرحة وبهجة للكبار والصغار، وفسحة من الوقت للسعادة بزيارة الأهل والأحبة.

لا يكاد راتب الموظف أو العامل يكفيه قوت يومه وحاجاته الأساسية، فكيف شراء ملابس العيد أو الحلويات، فضلا عن توزيع العيديات على الأطفال، واصطحابهم إلى الملاهي والمنتزهات، ما يضيف هما كبيرا لرب الأسرة أمام عائلته ومحيطه.

يصاحب العيد هذا العام موجة حر شديدة جدا، وانقطاع متواصل في التيار الكهربائي، وفوق ذلك كله أصبحت أرقام المصابين بفيروس كورونا مقلقة لمن كان ينوي قضاء العيد مع الأهل والأصدقاء في الأماكن العامة.

استطلعت وكالة "سبوتنيك" أراء بعض المواطنين السوريين حول أجواء العيد، وإقبالهم على شراء حاجيات العيد وضرورياته:

وضع مأساوي

يلخص المهندس علاء كفروني من مدينة حمص في حديثه لوكالة "سبوتنيك" الوضع بجملة، الوضع مأساوي بكل ما تعنيه الكلمة، ويقول: عائلة مؤلفة من 4 أشخاص تحتاج إلى مصروف يقارب نصف مليون ليرة فقط من أجل الطعام والشراب، والدخل يقارب 50 ألف ليرة وبالحد الأقصى يكون حوالي 100 ألف في حال وجود شخصين يعملان في البيت، فكيف يمكن حل هذه المعضلة الاقتصادية؟.

ويتاع علاء: في بعض المناطق الوضع أفضل من مناطق أخرى كدمشق وغيرها، لكن بشكل عام 70% من المواطنين لا يشعرون بوجود العيد، بل على العكس يشعرون بحالة من القهر بسبب عدم احتفالهم بالعيد، فلا يستيطع أحد أن يشتري ملابس لأطفاله أو حلويات العيد.

 

ويواصل: حتى في المنزل من الصعب جدا صناعة الحلويات، فلا يوجد كهرباء ولا غاز للطبخ، وأسعار المواد مرتفع جدا، وأصبح الوضع أسوأ مما كان عليه بمرات عديدة، وأصحاب المحلات تضررت أوضاعها أيضا فلا يوجد حركة شراء ولا بيع، فلا أحد أصلا يستطيع أن يشتري شيء.

ويضي المهندس السوري وهو أب لطفلين: أبدا لا يمكن أن تحس بأن هناك بهجة للعيد، فلا يوجد أي شيء يدعو للسرور أو الارتياح ولا للتفاؤل، فالسنوات التي مضت منذ بداية الأزمة وحتى عام 2018 كانت أفضل من عامي 2019 و2020، لأن الوضع الاقتصادي سيئ إلى درجة خطيرة.

ويتطرق علاء كفروني للإجراءات الحكومية لمساعدة المواطنين ودعمهم فيقول: نسمع عن السورية للتجارة وعن الإجراءات التي تتخذها الحكومة ولكننا لا نشاهد شيئا على أرض الواقع، لا يوجد رز ولا يوجد سكر، ومؤخرا هناك أزمة على البنزين، وتنتظر أكثر من 6 ساعات لتحصل على 20 لتر من البنزين.

وبالنسبة للأماكن التي يمكن أن يتوجه إليها المواطن خلال العيد، يؤكد أن سقف طموح المواطن العادي في سوريا هو الذهاب إلى قريته، فالذهاب إلى المطاعم أو المنتجعات أو الأماكن السياحية والملاهي أصبح حلما له، فهو لم يستطع حتى شراء ملابس لأطفاله، ومثله أكثر من 80% من الشعب.

ويؤكد علاء أن الطبقة الوسطى في سوريا اختفت تماما، وانقسم الشعب بين طبقة مسحوقة فقيرة وبين طبقة اغتنت من الحرب وتجار الأزمة والمتنفذين من أصحاب السلطة، وبأن هؤلاء هم من يشعرون بمعنى العيد حاليا.

ويضيف علاء: فوق ذلك هناك موجة حر غير طبيعية فقد وصلت الحرارة في وسط سوريا إلى 48-50 درجة، يرافق ذلك انقطاع دائم للكهرباء، مع تقنين 3*3 في النهار 2*2 في الليل، فلا تستطيع حتى أن تمشي في الشارع من الحر الشديد.

تخوف من كورونا

ترى الشابة نور ونوس المقيمة في مدينة طرطوس في حديثها لوكالة "سبوتنيك" أن التأثير الأكبر على أجواء العيد في سوريا هو لانتشار فيروس كورونا، فتقول: الحالة صعبة جدا فهناك الكثير من الناس تخاف من التقاط العدوى في الأماكن العامة، واليوم تم جلب أربع حالات مصابة في المدينة ما أحدث بلبلة كبيرة بين المواطنين.

وتتابع: بالإضافة إلى ذلك الأسعار الخيالية والمرتفعة بشكل غير معقول، هناك بعض الناس وضعهم المادي مقبول وتستطيع شراء ما تحتاجه، لكن في الوقت ذاته تشتكي من ارتفاع الأسعار حتى بالنسبة لها.

وتؤكد بأن الأسعار ارتفعت بشكل أكبر في فترة العيد، وبأضعاف مضاعفة عن العام الماضي، وتعطي مثال على ذلك: الفساتين بالنسبة لي كفتاة ارتفعت أسعارها من 7 آلاف العام الماضي إلى 35 ألفا في الفترة الحالية، وبنطال الجينز صناعة وطنية أصبح سعره تقريبا 19 ألفا، فيما المستورد يصل سعره إلى أكثر من 30 ألفا.

وتعترف الشابة السورية بأنها كانت ترغب بالذهاب إلى إحدى الحفلات في العيد، ولكن الكورونا هو ما يخفيها، فتقول:

هناك حفلات ستقام في بعض المطاعم، لكن بسبب التخوف من كورونا قررنا عدم الذهاب إلى أي مكان، فالصحة أهم بكثير من أجواء الاحتفال في العيد، بينما هناك قسم آخر من الناس غير مهتم وحجزت بالفعل وستذهب للاحتفال في الأماكن العامة.

وتضيف: هناك ازدحام كبير في الأسواق، نعم قسم كبير منهم لا يشتري ولكن هناك بعض من يشتري خصوصا للأطفال، فكيف يمكن حرمان الأولاد من فرحة العيد، بعد أن استطاعوا قبض الراتب قبل العيد، ولكن من المؤكد أنهم ما بعد العيد لن يملكوا شيئا من أجل شراء أي شيء.

العيد غير موجود فعليا

بدوره يرى المدرس نذير سلامة من اللاذقية بأن العيد يختلف هذا العام عن بقية السنوات من الناحية المادية فقط، ويقول: الوضع الاقتصادي للناس في هذا العام صعب جدا، فالدولار ارتفع بشكل كبير، ما أثر على قسم كبير جدا من الناس.

ويتابع: أنا كأب لأربعة أولاد لم أستطع شراء ملابس للأطفال أبدا، فعلى الرغم من أني أعطي دروسا خصوصية للطلاب بالإضافة إلى راتبي كمدرس، إلا أن ذلك لا يمنحني الرفاهية لأشتري ملابس العيد، فالثياب أصبحت تشترى وقت الحاجة فقط.

ويكمل نذير: سنقضي العيد في المنزل بسبب الوضع الحالي بالإضافة إلى فيروس كورونا، رغم أن الوضع الاقتصادي يلقي بظلاله أكثر من كورونا، فلو كان الوضع المالي جيد لاستطعنا أن نقوم برحلة في الطبيعة، أو في أحد المناطق الجميلة بعيدا عن الناس وليس من الضرورة أن يكون في مطعم أو مرفق سياحي.

ويستطرد سلامة: الفروج اليوم يبلغ سعره أكثر من 8 آلاف ليرة سورية، طبعا لن أتحدث عن اللحمة الحمراء، فأسعارها غير ممكنة لصاحب الدخل المحدود، بالإضافة إلى الأمراض المنتشرة حاليا بين المواشي في سوريا، ما أدى إلى عزوف الناس عنها.

 

ويكمل المدرس السوري: كل هذه الأمور تصب على رأس المواطن السوري ما جعل جو العيد غير موجود فعليا، رغم الازدحام الموجود حاليا الموجود بالأسواق، فالمحلات فارغة ولا أحد يدخلها من أجل الشراء، ومن يستطيع الشراء فعليا هو ميسور الحال فقط في هذه الأوقات.

ويختم حديثه: بالإضافة إلى كل ذلك تأثرت الحركة كثيرا في فترة العيد بسبب افتتاح المدارس بعد شهر، حيث يجب شراء الكثير من التجهيزات للطلاب، ويأتي فوق ذلك تجهيز المونة المنزلية في البيوت، ما قد يكون وراء عزوف بعض الناس عن الشراء.

حر وانقطاع للكهرباء

وفي لقاء مع "سبوتنيك" يقول الشاب الأرمني الأصل هوسيب غزريان عن أجواء العيد بالنسبة له: لقد اعتدت على أجواء عيد مختلفة عن هذا العام، وبالنسبة لحركة البيع والشراء فهي خفيفة جدا بسبب غلاء الأسعار، فقد اختلفت بشكل كبير بين العام الماضي والحالي بكل المجالات وليس فقط فيما يخص الألبسة أو الأغذية أو غيرها، فتدنت القدرة الشرائية لدى الناس بنسبة كبيرة.

ويتابع غزريان: ترى الكثير من الناس في الشارع لكن المحلات فارغة، ومعظم الناس يمكنها فقط مشاهدة السلع الموجودة مقابل نسبة قليلة جدا يمكنها الشراء، وهي نسبة انخفضت أكثر من 50% عن العام الماضي فقط.

فيما يخص بموضوع كورونا يقول الشاب هوسيب: في الحقيقة الناس لا يهمها جدا هذا الموضوع، وتخرج بشكل طبيعي من دون وسائل الوقاية، ويمكن أن ترى شخص أو اثنين يرتدي كمامة بين كل خمسين شخص ويراعي الإجراءات المطلوبة، هناك بعض الناس طبعا تخاف من فيروس كورونا ولا تخرج من بيوتها إلا للأمر الضروري، ولكن السبب الأساسي في عدم إقبال الناس على الأسواق هو الغلاء وليس أبدا كورونا.

ويفسر الازدحام الحاصل في الأسواق قائلا: يمكن أن ترى من العيد فقط الازدحام، ويرجع سبب هذا الازدحام إلى موجة الحر القوية التي تضرب البلاد، والوضع المزري للكهرباء، فيفضل الموطن الخروج من منزله بدلا من الجلوس في البيت من دون كهرباء وحر لا يطاق.

ويتطرق إلى عمله في مجال السياحة، ويسهب: انا حاليا عاطل عن العمل بسبب فيروس كورونا، ومن أربعة أشهر تأثر عملنا بشكل كبير جدا، كما في سوريا بشكل عام، وكنا نتأمل التحسن بمناسبة العيد، لكننا لا نزال بالانتظار حتى تنتعش السياحة من جديد في سوريا.

نسينا العيد منذ سنتين

وتتحدث ليا غفر لـ"سبوتنيك" وهي أم لطفلين مقيمة في مدينة دمشق عن العيد في المدينة: هناك بعض الناس يشكل العيد لهم شيئا مقدسا، وتشتري حاجيات العيد بغض النظر عن وضعها، حتى لو اضطرت للإستدانة من أجل هذا الأمر، وهناك من يتشري دون النظر إلى حالة البلد، ولكن القسم الكبير منهم والذي كان يشتري فيما قبل 10 كغ من الحلويات أصبح يشتري أقل من ذلك بكثير.

أما بالنسبة للملابس فتقول ليا: بأن محلات الألبسة المستعملة انتعشت جدا خلال هذه الفترة، مقابل كساد التجارة في المحلات الأخرى، ولكن نحن كأسرة يوجد فيها شخص موظف، لم نشتري حاجيات العيد حتى قبل سنتين من الآن، والآن أصبح مستحيلا أكثر مما قبل.

وعن نفسها توضح: أنا كشخص لم تعد أجواء العيد تشكل أمرا مهم بالنسبة لي، لكن أحب أن يعيش أولادي جو العيد، لكن في هذا الوضع أصبح هذا صعب جدا، كنا فيما مضى نخرج في فترة العيد مع الأطفال، لكن مع وجود فيروس كورونا ومخاطرة الاختلاط بالناس، أصبح الفكرة ملغية تماما.

وتواصل حديثها: هناك بعض الأماكن لا توجد فيها أجواء للعيد، بغض النظر عن مركز المدينة في اللاذقية مثلا، حيث تجد الزينة والاجواء جدا جميلة، وحتى أنه تم اتخاذ قرار بفتح المحلات دون أي تحديد لموعد الإغلاق، ويمكنها العمل حتى الصباح.

مقاطعة لأجواء العيد

وفي مقابلة مع "سبوتنيك" ترى الصحفية عطاء عثمان، من سكان دمشق، بأن العيد مثل أي عيد ديني آخر تريد تريد الاحتفال به، لكن ضمن الوضع الحالي الأسعار فاحشة الارتفاع، فأقل صنف من الحلويات يبلغ سعر الكيلو غرام الواحد ما يقارب 10 آلاف ليرة، فلا يمكن لأحد أن يشعر بأجواء العيد.

وتتابع عثمان قولها: من خلال وجودي في الأسواق اليوم لم ألاحظ أي حركة عيد أبدا في المحلات، وجاءت أزمة كورونا لتزيد من التأثير على إقبال الناس على شراء حاجياتها، فقسم كبير من الناس قرر الالتزام بالمنازل وعدم الخروج، بالنسبة لي كشابة من شريحة كبيرة من الناس لم أشتري أي شيء خاص بالعيد، كما لم أخطط أبدا للذهاب لأي مكان، ومن حظي جاءت هذه العطلة لكي أحضر للامتحانات القادمة لدي.

وتضيف: يمكن القول أن الكثير من الناس قررت مقاطعة العيد أو مقاطعة أجواء العيد بسبب ما ذكرته سابقا، فحتى الأشياء التي يمكن أن تقوم بها خلال العيد ولو في المنزل من طبخ وغيرها أصبح صعبا، بسبب ارتفاع أسعار جميع المواد حتى الخضار، فما بالك بأشياء كالحلويات وغيرها.

وتعتقد الصحفية الشابة بأن الأسعار ارتفعت سابقا قبل قدوم العيد، وازدادت ارتفاعا في فترة العيدالعيد، وتقول: فمن كان قادرا على شراء عدة أصناف من الحلويات لا يستطيع شراء أكثر من صنف واحد حاليا، ومثال على ذلك يبلغ سعر كيلو من أصناف بسيطة كـ"البرازق" أو "الغريبة" أصبح تقريبا بين 6-7 آلاف ليرة، وحتى في المحلات الشعبية غير النظامية يبلغ سعرها ما يقارب 5 آلاف، بعيدا عن الحلويات العربية التي يتراوح سعرها بين 20-40 ألف للكيلو.

قد يهمك ايضا:

قروض توفير السويداء تجاوزت 3 مليارات و 900 مليون خلال العام الماضي

مصير مجهول ينتظر أصحاب الدخل المحدود في إدلب في ظل ارتفاع سعر الدولار